‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابطال مصريين-بحث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابطال مصريين-بحث. إظهار كافة الرسائل

الأحد، أغسطس 31، 2008

الرئيس محمد نجيب الذى ظلمه تلاميذه وانصفه التاريخ-3

الصفحلت المجهولة فى حياة الرئيس محمد نجيب
عاش هادئًا.. ورحل في صمت يليق بكبريائه وحبه لمصر، الذي سدد ثمنه اعتقالاً في قصر زينب الوكيل حتي وفاته في أغسطس ١٩٨٤.كان عبداللطيف بغدادي الشخصية الرئيسية في التنظيم السري الذي بدأ في الجيش عام ١٩٤٠،
ومعه أحمد سعودي أبو علي، ومحمد وجيه أباظة، وحسن عزت، وحسن إبراهيم، ثم انضم إليهم أنور السادات، ولم يكن محمد نجيب وجمال عبدالناصر علي صلة بهذه المجموعة، التي كان هدفها الأساسي معاونة الألمان لضرب قوات الاحتلال البريطاني في مصر واتصلت في سبيل ذلك بالإخوان المسلمين والحزب الوطني وعزيز المصري وغيرهم.
أما جمال عبدالناصر فقد بدأ قبل حرب ١٩٤٨ في تنطيم جماعة «الضباط الأحرار» واتصل بالإخوان أيضًا، وعدد من أعضاء الهيئة الوفدية وبتنظيم «حدتو» وبعناصر من مجموعة بغدادي في التنظيم السري وبأنور السادات الذي كان علي صلة بيوسف رشاد، وثيق الصلة بالحرس الحديدي.وقبل ٢٣ يوليو ١٩٥٢ تألفت مجموعة قيادية عرفت قبل الثورة باسم «الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار»،
وبعد الثورة باسم «مجلس قيادة الثورة» وهذه الهيئة التأسيسية، أو الضباط الأحرار كانوا: جمال عبدالناصر وعبداللطيف البغدادي، وعبدالمنعم عبدالرؤوف، الذي اعترض علي ضم السادات للهيئة وتم فصله قبل قيام الثورة، وحكم عليه بالإعدام وهرب خارج البلاد،
ومن عناصر هذه الهيئة حسن إبراهيم، وكمال الدين حسين وخالد وزكريا محيي الدين، ويوسف صديق وجمال وصلاح سالم، وحسين الشافعي وعبد الحكيم عامر، وعبد المنعم أمين، الذي فصل بعد الثورة بأشهر قليلة والمعروف أنه كان رئيس المحكمة التي حكمت علي خيس والبقري بالإعدام فماذا عن محمد نجيب،
ذلك الوجه الوطني الذي قدمت به ثورة يوليو نفسها إلي الشعب والجيش معًا؟أشترك الرئيس نجيب في حرب فلسطين وكان أركان حربه آنذاك عبدالحكيم عامر، الصديق الصدوق لجمال عبدالناصر، الذي واجه حيدر باشا وحسين سري عامر رجلي الملك في انتخابات نادي الضباط التي جاءت علي غير هوي الملك، فقام بحل هذا المجلس الذي يتحداه.
كان نجيب علي علم واتصال بالضباط الأحرار وعلي علم بعناصرهم القيادية وعلي دراية بحركتهم وأهدافها، وكان يؤيدهم، فلو كان يجهل ما يجري في كواليس الجيش والحركة معًا لما ذهب لتولي قيادة الجيش بمجرد اتصال هاتفي من الصاغ جمال حماد.وحينما كان السادات في سينما منيل الروضة «فاتن حمامة الآن»، كان عبدالناصر وعبدالحكيم عامر يرتديان الملابس المدنية يتابعان الموقف، وكل التحركات، بما في ذلك تقدم البكباشي يوسف صديق قبل ساعة الصفر بساعة كاملة ليقتحم مقر القيادة ويعتقل اللواء حسين فريد وقادة الوحدات الذين كانوا مجتمعين يتباحثون في كيفية إجهاض حركة الضباط الأحرار فباغتهم يوسف صديق واعتقلهم وأودعهم معسكر الاعتقال في الكلية الحربية ولا يعلم أحد ما الذي كان سيحدث لو تأخر يوسف صديق ساعة واحدة.
وعندما كان محمد نجيب مساعدًا لنائب الأحكام، في عام ١٩٤٢، وقف إلي جانب محمد أنور السادات حينما كان يتم التحقيق معه، وهذه الرواية صحيحة لأن نجيب نفسه نشرها في كتاب له نشره أيام كان السادات رئيسًا للجمهورية، ومحمد نجيب اعترض أيضًا علي تعيين حيدر باشا قائدًا للجيش لأنه ضابط بوليس،
ولم يذهب لتهنئته، وحينما شارك نجيب في حرب ١٩٤٨ جرح ثلاث مرات وتم استدعاؤه للقاهرة وتم تعيينه قائدًا لمعهد دراسات الضباط العظام.ثم عاد مرة أخري إلي فلسطين وتولي قيادة اللواءين العاشر والرابع، وفي هذه الفترة كان جمال عبدالناصر ومحمد أنور السادات وعبدالحكيم عامر يعرفون نجيب جيدًا، أما حيدر باشا فقد اعترض مرتين علي ترقية محمد نجيب، وبعد حرب فلسطين، تم تعيين نجيب رئيسًا لسلاح الحدود ثم نقل إلي سلاح المشاة.وقبل أن ينتصف ليل الثلاثاء ٢٢ يوليو ١٩٥٢ تحرك المقدم يوسف صديق واقتحم مقر قيادة الجيش وسيطر علي منطقة كوبري القبة وتقدمت الكتيبة ١٣ بقيادة العقيد أحمد شوقي ثم جاء ناصر وعامر ومن بعدهما السادات
وانتهي الجزء الأول من الخطة بنجاح في تمام الثالثة بعد منتصف الليل ثم اتصل وزير الداخلية آنذاك أحمد مرتضي المراغي باللواء أركان حرب محمد نجيب في منزله يسأله عن طلبات المتمردين، علي حد تعبيره، وطلب منه العمل علي تهدئة الموقف..ثم تلقي نجيب خبر نجاح الضباط في الاستيلاء علي قيادة الجيش، وتوجه ليستولي علي قيادة الانقلاب «والانقلاب هو التعبير الذي ورد علي لسان عبداللطيف البغدادي». وكتب الصاغ جمال حماد بيان الثورة،
وألقي عليه جمال عبدالناصر نظرة وراجعه محمد نجيب وأضاف عليه بخط يده عبارة «طبقًا لأحكام الدستور» والبيان الأصلي لايزال في حوزة اللواء جمال حماد.وفي الصباح استمع شعب مصر إلي البيان الأول للثورة بصوت أحد الضباط، وبعدها بصوت محمد أنور السادات وموقعًا عليه باسم «القائد العام للجيش اللواء أركان حرب محمد نجيب» وتلاحقت الأحداث سريعًا وفي يوم ٢٤ يوليو ١٩٥٢ تولي علي ماهر باشا رئاسة الوزراء،
بأمر تكليف من الملك فاروق، واحتفظ ماهر لنفسه بوزارات الداخلية والخارجية والحربية والبحرية، وفي صباح السبت ٢٦ يوليو ١٩٥٢ توجه الفريق محمد نجيب إلي مقر الوزارة بالإسكندرية، وقدم إلي علي ماهر رئيس الوزراء إنذار الجيش الموجه إلي الملك فاروق بضرورة توقيع وثيقة التنازل عن العرش قبل الثانية عشرة من ظهر اليوم نفسه ومغادرة البلاد قبل السادسة مساء
وقد عارض نجيب رأي جمال سالم، الذي طالب بإعدام فاروق، وبعد أن غادر الملك تنازل نجيب عن رتبة الفريق مراعاة للظروف الاقتصادية للبلاد.. وعلي ذلك فقد ظل نجيب معروفًا باسم اللواء محمد نجيب.وكانت من أهم الخلافات المبكرة التي نشبت بين أعضاء الهيئة التأسيسية الخلاف الذي انفجر بسبب موقف يوسف صديق، الذي دافع عن عودة الحياة النيابية، وعودة مجلس النواب المنتخب،
وانتهي الخلاف بفصل يوسف صديق واعتقاله في السجن الحربي، أما الصراع الكبير والحاد فقد كان بين محمد نجيب وجمال عبدالناصر، وانتهي في ١٤ نوفمبر عام ١٩٥٤، بقرار من مجلس قيادة الثورة بإعفاء محمد نجيب من منصب رئيس الجمهورية لتطوي بسرعة أولي صفحات الجمهورية المصرية الأولي.
نجيب أيضًا كان يرغب في الديمقراطية لكن الأحداث تدافعت، وظلت تتلاحق وصولاً إلي ١٤ نوفمبر ١٩٥٤، حيث أخذه عبدالحكيم عامر وحسن إبراهيم إلي المرج ليقيم في منزل كان مملوكًا لزينب الوكيل زوجة مصطفي النحاس باشا.. وفي ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ تعرض أول رئيس جمهورية في مصر للمعاملة المهينة واصطحبه جمال القاضي ومحمد عبدالرحمن نصير إلي مدينة طما في صعيد مصر وتحفظا عليه في بيت زوج شقيقة أحمد أنور،
وحين عاد إلي القاهرة واجه مأساة رحيل ابنه علي في حادث غامض بألمانيا الاتحادية.وبعد رحيل جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وجمال سالم وصلاح سالم وأنور السادات وكمال رفعت عن دنيانا رحل من بعدهم أول رئيس جمهورية لمصر، محمد نجيب، في يوم ٢٨ أغسطس عام ١٩٨٤ جميعهم رحل... وبقيت مصر... وبقيت أمانة التاريخ.

الرئيس محمد نجيب الذى ظلمه تلاميذه وانصفه التاريخ-2

شاهــــــــــــد على الاعتقال
عن وقائع وملابسات اعتقال أول رئيس لجمهورية مصر عام ١٩٥٤ يقول المستشار إبراهيم فهمي فرج، رئيس محكمة الاستئناف الأسبق:
«عايشت الأحداث مع نفر قليل من المسؤولين، وكنت وقتئذ وكيلاً لنيابة مركز الخانكة، التابعة لحي المرج، الموجود به فيلا السيدة المرحومة زينب الوكيل التي حددت إقامة الرئيس نجيب فيها في نوفمبر عام ١٩٥٤ وكنت في النادي الأهلي أشاهد مباراته مع نادي الاتحاد السكندري، واتصلت تليفونياً بمركز الشرطة للاطمئنان علي الأمور، فأخبرني ضابط المباحث بضرورة حضوري فوراً لأن قصر السيدة زينب الوكيل سرق، فأمرت بانتداب مأمور المركز لمباشرة التحقيق،
وعرض الأوراق علينا، في اليوم التالي فحدثني أحد كبار ضباط القوات المسلحة وأخبرني بأن الأمر بالغ الأهمية ولا يستطيع الإفصاح عنه في التليفون، ورجاني أن أحضر بنفسي فذهبت أنا وزميلي وكيل النيابة في سيارته الصغيرة إلي المرج، وهناك فوجئنا بقوات من البوليس الحربي ورجال الأمن تحاصر المنطقة،
وكان الوزير كمال الدين حسين موجوداً وأخطرنا بأن الرئيس محمد نجيب تم استبعاده من رئاسة الجمهورية وحددت إقامته في قصر السيدة (زينب الوكيل)، ولأن القصر مصادر ضمن ما صودر من أملاك السيدة (زينب الوكيل) بحكم محكمة الثورة، فكان من المفروض إخطار النيابة العامة بعزم الحكومة علي إيداع الرئيس نجيب وأسرته في القصر لتشرف النيابة علي فتحه والاطمئنان والتأكد من سلامة محتوياته لتحديد المسؤولية عند فقد أي منقولات ثمينة منه
.وعن القصر يضيف المستشار فرج: عبارة عن فيلا صغيرة لسكن أسرة واحدة وهي من دورين وحجراتها قليلة وبها مصعد صغير، حتي يتجنب الزعيم مصطفي النحاس مشقة الصعود لكبر سنه - ووجدنا بداخل الفيلا الرئيس محمد نجيب وزوجته وولديه، علي وفاروق، رحمهما الله، وكان الرئيس رابط الجأش لم تهزه الأحداث،
وواجه الموقف بشجاعة وكان يدخن (غليوناً)، واعتذر لنا بأنه لا يدخن سجائر حتي يقدمها لنا فشكرناه بأننا لا ندخن، وشاهدنا فوق منضدة في الصالة بعض الطعام، الذي قدموه له ولأسرته، من خبز وجبن وبرتقال، وأشار الرئيس إليه قائلاً (شفتم أكل رئيس الجمهورية)،
ثم خاطب ابنه المرحوم علي (أنا مبسوط منك يا علي لأنك لم تبكِ مثل أخيك فاروق، وكنت رجلاً علي مستوي المسؤولية، ساعة القبض علي في رئاسة الجمهورية بعابدين).
وتمت عملية الجرد في محضر رسمي واتصلت بالسيد المستشار حافظ سابق النائب العام وأبلغته بما تم فأشار بالاتصال بالمرحومة السيدة «زينب الوكيل» لسماع أقوالها في خصوص محتويات القصر. فاتصلت بالمرحوم مصطفي النحاس بمنزله وكان طريح الفراش وأخبرني بأنها مريضة ولا تستطيع السفر إلي نيابة الخانكة،
وأنه سيقدم لي شهادة مرضية بذلك ورجاني بسؤالها في مسكنها في جاردن سيتي، فعرضت الأمر علي السيد المستشار النائب العام فوافق، علي أن أثبت كل ذلك في المحضر، وانتقلنا أنا وزميلي وكيل النيابة إلي جاردن سيتي.ويستطرد المستشار: كان القصر مفروشاً بطريقة حديثة رغم بساطة الأثاث، فدل علي ذوق سليم،
وجلسنا ومعنا سكرتير النيابة في أحد الصالونات في الدور الأول ثم جاءت السيدة زينب الوكيل وبرفقتها محاميها ويتقدمها سكرتيرها الخاص،
ورحبت بنا وبادرت بسؤالي: هل تسألني كمتهمة أم كشاهدة؟ وطمأنتها وبدأت الأسئلة ودلت ردودها علي شخصية قوية تثق في نفسها وتشعرك بأنك تحادث سيدة من نوعية فريدة وبأنها زوجة زعيم تغمرها المهابة.
ويشير المستشار إبراهيم فرج في مقاله بجريدة «الأخبار» في ٣٠/٨/١٩٨٤ إلي أن ما يريد أن ينقله للقراء من حديثها ولم يدونه في المحضر، وهي في ذمة الله، سؤالها له لماذا اختارت الثورة قصرها الصغير بالذات ليعيش فيه الرئيس نجيب وأسرته والقاهرة زاخرة بالقصور الأنيقة الكبيرة؟
وهل يرضيك أن يكسر باب القصر، وتُقتحم غرفتي الخاصة بما فيها من حاجات لتعيش فيها حرم محمد نجيب وأنا زوجة الزعيم مصطفي النحاس؟!
وهل يرضيك أن تسرق (بلاليص الجبنة القديمة)، من بدروم الفيلا؟! وعرضت الأوراق علي السيد المستشار النائب العام وتصرفت فيها حسب أوامره.

الرئيس محمد نجيب الذى ظلمه تلاميذه وانصفه التاريخ-1

منقزل عن المصرى اليوم
في صباح ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ توجه محمد نجيب، رئيس مصر الأسبق، إلي مكتبه بقصر عابدين ولاحظ عدم أداء ضباط البوليس الحربي التحية العسكرية، وعندما نزل من سيارته داخل القصر فوجئ بالصاغ حسين عرفة من البوليس الحربي ومعه ضابطان و١٠ جنود يحملون الرشاشات يحيطون به، فصرخ في وجه حسين عرفة طالباً منه الابتعاد حتي لا يتعرض جنوده للقتال مع جنود الحرس الجمهوري،
فاستجاب له ضباط وجنود البوليس الحربي.وعندما لاحظ نجيب وجود ضابطين من البوليس الحربي يتبعانه أثناء صعوده إلي مكتبه نهرهما فقالا له إن لديهما أوامر بالدخول من الأميرالاي حسن كمال، كبير الياوران،
فاتصل هاتفياً بجمال عبدالناصر ليشرح له ما حدث، فأجابه عبدالناصر بأنه سيرسل عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ليعالج الموقف بطريقته. وعندما وصل عبدالحكيم عامر وبصحبته قائد الأسراب طيار حسن إبراهيم وزير شؤون رئاسة الجمهورية،
فقالا له في صوت خافت: «مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئاسة الجمهورية»
فرد عليهما محمد نجيب في شجاعة: «أنا لا أستقيل الآن، لأنني بذلك سأصبح مسؤولاً أمام التاريخ عن انقطاع صلة السودان بمصر، أما إذا كان الأمر إقالة فمرحباً لأنكم تعفونني من مسؤولية لم يعد يحتملها ضميري».
ووعده عبدالحكيم عامر وأقسم بشرفه العسكري أنه سيقضي أياماً في استراحة زينب الوكيل بالمرج ثم يعود بعدها إلي منزله، ولكن ذلك لم يحدث، فقد ظل منفياً لمدة ٢٩ عاماً،
وغادر نجيب القصر الجمهوري دون تحية عسكرية من جنوده أو إطلاق البروجي لتحيته ودون أن يودعه أحد، وهو الذي لم يحدث مع الملك المخلوع فاروق الذي أطلقت ٢١ طلقة في وداعه بقصر رأس التين قبل أن يغادر البلاد علي ظهر «المحروسة» منفياً إلي إيطاليا.
وعندما وصل نجيب إلي القصر المهجور وجد البوليس الحربي قد سبقه إلي هناك، وقام بحملة سلب ونهب ورفع الأثاث ونزع الستائر وحمل السجاجيد وقطع ثمار البرتقال واليوسفي ليتحول المكان إلي «خرابة».
لاقي محمد نجيب أشد صنوف العذاب والتنكيل به في معتقل المرج، حتي تحول المكان إلي ثكنة عسكرية، فكانت طوابير الصباح تقام فوق غرفة نومه كما كانت تدريبات ضرب النار تقام بجوار النافذة الوحيدة في غرفته.
وفي هذا المنفي لم يكن يزوره أحد ولم يكن مسموحاً له بالخروج، وعندما سمحت له بالزيارة كان ضابط المخابرات يبقي في أثنائها، ولم يكن حرس نجيب يعاملونه علي أنه رئيس سابق أو لواء أو بطل من أبطال حرب ١٩٤٨.
وأثناء العدوان الثلاثي علي مصر سنة ١٩٥٦ سرت شائعة بأن الإنجليز يخططون لإعادته للسلطة بعد هزيمة عبدالناصر، فصدرت أوامر بالتحفظ عليه وتم اقتياده إلي مدينة طما في سوهاج بمنزل لأحد أقارب حسين عرفة، وجري التنكيل به حتي إن أحد الحراس ضربه علي صدره،
كتب الرئيس نجيب عن ذلك في مذكراته: «يومها هانت علي الدنيا.. فقررت أن أضرب عن الطعام». وخلال فترة اعتقاله تعرض لعدة مآس منها قتل ابنه «علي» الذي كان يدرس في ألمانيا، وقيل له إنه قتل علي يد اليهود، لأنه قاد مظاهرة للطلاب العرب ضد اليهود بعد عام ١٩٦٧،
وحزنت أمه حزناً شديداً حتي وافتها المنية سنة ١٩٧١، أما الابن الأكبر فاروق فلم يكمل تعليمه في مجال السياحة والفنادق، وفي ذات يوم استفزه أحد المخبرين الذين كانوا يسيرون خلفه بقوله: «ماذا فعل أبوك للثورة.. كان مجرد خيال مآتة»،
فضربه فاروق وكانت نهايته في ليمان طرة مع المعتقلين السياسيين، فأصيب بالقلب ومات بعدها بخمسة أشهر وهو يشتري الدواء من صيدلية قريبة من المنفي.أما الابن الأصغر يوسف فتخرج في أحد المعاهد اللاسلكية، وعمل في إحدي الشركات ولكنه تشاجر مع أحد أقارب شمس بدران فأقيل من عمله حتي عمل سائقاً في المقاولون العرب وسائق تاكسي بعد الظهر.
وفي عهد الرئيس أنور السادات تحسنت أوضاع اللواء محمد نجيب عندما تم رفع الإقامة الجبرية عنه، وأصبح يتنقل بسهولة، ولكن الأمان الذي تعود عليه محمد نجيب في قصر زينب الوكيل تبدد عندما صدر حكم محكمة جنوب القاهرة في ٢٧ يناير ١٩٨٣ بطرده وعائلته من فيلا المرج وتمكين أصحابها ورثة زينب الوكيل زوجة مصطفي النحاس باشا منها ومن حديقتها التي تبلغ ١٢ فداناً ومفروشاتها وملحقاتها.
وأمر الرئيس مبارك بتخصيص فيلا بمنطقة حدائق القبة لينتقل إليها اللواء محمد نجيب وأسرته، وقال نجيب لبعض الصحف وقتها: «أين أذهب بعد ٣٠ سنة لم أخرج فيها إلي الحياة، ليس لي معارف أو أحد يهتم بي.. أنا أعيش هنا وحدي بعد أن مات اثنان من أولادي ولم يبق غير واحد منهم.. فأين أذهب؟».
وكانت غرفته في فيلا المرج مهملة بها سرير متواضع يكاد يختفي من كثرة الكتب الموضوعة عليه، وكان يقضي معظم أوقاته في هذه الحجرة يداوم علي قراءة الكتب المختلفة في شتي أنواع العلوم، خاصة الطب والفلك والتاريخ،
ويقول محمد نجيب: «هذا ما تبقي لي، فخلال الثلاثين سنة الماضية لم يكن أمامي إلا أن أصلي أو أقرأ القرآن أو أتصفح الكتب المختلفة».
وقضي أيامه الأخيرة متنقلاً بين مستشفي المعادي العسكري أو القبة العسكري للعلاج من أمراض الشيخوخة مثل ضعف الشهية وفقدان القدرة علي الإبصار وهشاشة العظام وغيرها، وبالرغم من ذلك كان يحرص علي الصلاة وسماع الأخبار والأحداث العالمية من جهاز الراديو القديم في غرفته.
وتذكر حفيدته «نجيبة يوسف محمد نجيب» أن جدها كان متأثراًَ جداً وهو يسمع خبر اغتيال الرئيس السادات في الراديو وكاد ينهار باكياً، لأنه كان يشعر دائماً بأنه والد لكل رفاقه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، مهما كانت قسوتهم وتعاملهم معه بعنف.
وتضيف نجيبة: «إنه كان قلقاً من بعض الأحداث العربية مثل غزو إسرائيل لبنان في عام ١٩٨٢».وبعد حياة حافلة توفي في ٢٨ أغسطس ١٩٨٤
ويتذكر اللواء حسن سالم اللحظات الأخيرة في حياة خاله محمد نجيب قائلاً: في ذلك اليوم اصطحبت خالاتي إلي المستشفي لزيارة خالي وكان كويس وبيتكلم معانا وفجأة تعب «شوية» ورفع يده إلي السماء ثم أنزلها ببطء، ووجدناه يميل إلي الأرض برقبته قليلاً وعندما حضر الطبيب قال لنا «البقية في حياتكم»،
فاتصلت رئاسة المستشفي بوزارة الدفاع واتصلت أنا بنور فرغل من رئاسة الجمهورية وقلت له «لقد كانت وصية اللواء محمد نجيب أن يدفن في السودان»، وبعدها أخبرني أنه تحدد أن تكون الجنازة عسكرية وأن يدفن الرئيس محمد نجيب في مقابر الشهداء بالغفير «طريق صلاح سالم».
وكانت جنازة عسكرية بالفعل، وصل الجثمان علي عربة مدفع وتقدم الجنازة الرئيس مبارك، وكنت أقف بجواره مع يوسف محمد نجيب، بالإضافة لأعضاء مجلس قيادة الثورة الباقين علي قيد الحياة، وكان موجوداً رئيس مجلس الشعب السوداني ورؤساء أحزاب المعارضة والباقي حرسه،
وفي المساء أقامت الدولة سرادق العزاء أمام مسجد عمر مكرم، وكان أغلب الموجودين من العسكريين.ويستكمل اللواء حسن سالم قائلاً: «الغريب أنه في ذلك اليوم العجيب والرجل لم يبرد دمه في قبره إلا وجاءني خبر طرد أحفاده من فيلا ولي العهد، التي خصصها له الرئيس مبارك بعد طرده من فيلا المرج.

العملاق الاسمر يوسف صديق-3

شهادة الرئيس محمد نجيب قبل وفاته عن يوسف صديقفي

تسجيل صوتي نادر للرئيس محمد نجيب مع أبناء البطل يوسف صديق اللواء حسين وشقيقته السيدة سهير اللذين زاراه في سبتمبر عام ١٩٨٣ قبل رحيله بأشهر قليلة،

ونشر نص اللقاء في كتاب الجمهورية (الأوراق السرية لـ محمد نجيب.. أول رئيس لمصر) لمؤلفه محمد ثروت.الحوار بدأه نجيب بالتذكر والتحسر أيضاً، وبادر الجالسون حوله من أسرة يوسف صديق وكأنه يفتح المجال للحوار،

فقال بأسي شديد: «آه يا يوسف.. يوسف حبيبي، يوسف صديقي، يوسف جاري.. أنا باتعب لما بافتكره، ليه تنرفزوني، أنا مسكين، أنا قلبي ضعيف، آه يا يوسف..لا حول ولا قوة إلا بالله ما تفكرونيش بيوسف.. عيني تدمع لما بافتكره لأنه راجل عظيم هو اللي قام بالثورة وأنا كاتبها في كتابي (كلمتي للتاريخ)

أنا كل اللي عملته إني إديته تعليمات: (روح وأعمل نفسك قائد للدفاع واللي ييجي بالإمدادات، إمسكه ووزعه وهتطلع تمسكهم زي العصافير وده اللي حصل.. خليها علي الله أما أنا فأجري علي الله مش عايز حاجة لا عايز فلوس ولا عايز شكر ولا عايز حاجة حبيبي»

.ويواصل نجيب تداعياته قائلاً: «أنا صفر علي الشمال بالنسبة ليوسف، لأنه هو الذي دخل القشلاق وقيادة الجيش وعمل كل اللي قلته له وعمل نفسه قائد للدفاع عنهم وكل اللي ييجي من برة بالإمدادات يشخط فيه ويوزعه.. انت روح عند المستشفي العسكري.. انت روح عند التقاطع بتاع المترو».

وعندما سأله حسين نجل يوسف صديق مارأيك فيه كجندي مقاتل؟ أجاب محمد نجيب: «يوسف صديق راجل مقاتل عظيم راجل بطل».. ورداً علي سؤال حسين عن موقف الضباط الأحرار حينما أرادوا إخراجه من مجلس الثورة واعتراض محمد نجيب علي ذلك قال نجيب: «مجلس الثورة كانوا بيخافوا منه لأنه راجل شجاع وجدع.. واعمل إيه طلعوه أنا واحد وهما ١٤».

وأضاف نجيب: «إن يوسف صديق قام بالقبض علي ١٥ شخصاَ من الضباط الأحرار منهم جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر».وأوضح نجيب: «كل الحكاية إني قلت له إن مجلس الثورة.. مجلس قيادة الجيش منعقد بعد إفطار رمضان.. هيفضلوا منعقدين، لو قمت متقدم ساعة».

وذكر محمد نجيب من يحضر لزيارته فأجاب إن اللواء جمال حماد لا يحضر لزيارته، كذلك خالد محيي الدين والذي يخاف من زيارته لأنه مراقب،

وكما يؤكد محمد ثروت في كتابه، فقد كشف هذا اللقاء عن حقائق عديدة، أهمها أثر الاعتقال الذي استمر لمدة ٢٩ عاماً علي حياة اللواء محمد نجيب، فقد ضعف بصره حتي إنه ظن الضوء المنبعث من جهاز التسجيل ناراً، بالإضافة إلي ضعف سمعه،ولذلك كان يطلب من المتحدث إليه أن يرفع صوته ويتمهل في حديثه، كما كان يكرر العبارات أكثر من مرة،

ولم يذكر نجيب عبدالناصر في حديثه ولم يتعرض له بخير أو شر، كما أوضح أن هناك شخصاً يقوم بزيارته ورفض نجيب ذكر اسمه!

العملاق الاسمر يوسف صديق-2

الاسد الذى خرج من معتقله ومنفاه لينصر مصر
كان يوسف صديق شاعرًا أيضًا.. وربما لأن «مفرمة» الثورة لا تستدعي شعراءً، فقد جرفته الأحداث خارج الدائرة، إلي أن أنصفه التاريخ وأعاده إلي الموقع الذي يناسبه، كتب يوسف صديق في منفاه بسويسرا أبياتًا يجسد فيها ما جري له
قال:إيفون إني غريب في دياركمو
وللغريب نوال القصد والأملأنا
من بلادٍ رواها النيل في كرموفي
وفاءٍ كساها أجمل الحلل
الحق في جانبي والظالمون همو
والله ينصر أهل الحق في الجلل
.وفي ٢٧ أغسطس من عام ١٩٥٢ وفي أسلوب أدبي رفيع وعلي صفحات مجلة «آخر ساعة»، وفي مقال يحمل عنوان «من هم ضباط محمد نجيب؟»
كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل عن يوسف صديق قائلاً: «العملاق الأسمر، ذو العينين الحمراوين.. عملاق طويل عريض لفحته الشمس في معسكرات الجيش فجعلته أشبه ما يكون بتمثال من البرونز لفارس محارب مدرع من القرون الوسطي دبت فيه الحياة بمعجزة فخرج إلي عالم المغامرات.. هناك لازمتان تميزانه دائمًا شعر منكوش مهوش، وعينان حمراوان من قلة النوم وكثرة ما يبذل من جهد، قدمه لي لأول مرة اللواء محمد نجيب وكان ذلك قبل حركة القوات المسلحة ببضعة أيام، كنت جالسًا مع اللواء محمد نجيب وكان ساخطًا علي كل ما يحدث وقال لي بين ما قال: لقد فكرت في أن أستقيل من الجيش.. وفجأة ظهر العملاق الطويل القامة الذي يشبه تماثيل البرونز السمراء، ظهر علي باب الشرفة واشترك في المناقشة وهو في مكانه قائلاً: لا... يجب ألا تستقيل.. كلنا نري أن تبقي معنا..
.ويمضي الأستاذ هيكل في وصفه التصويري قائلاً:كان شكله فجر يوم حركة القوات المسلحة رائعًا، كان هو الذي قاد جزءًا مهمًا في عملية القبض علي قادة الأسلحة من لواءات الجيش القدامي، لقد قام بهذه العملية الخطيرة بمنتهي الثبات والجرأة والسرعة.وبعد الحركة بثلاثة أيام وعلي وجه التحديد في يوم السبت ٢٦ يوليو اليوم الذي خلع فيه الملك عن العرش لقيته جالسًا في إحدي الشرفات في مركز رئاسة قوات الجيش وكان قد حلق ذقنه..وخلع عنه البدلة التي ظلت علي جسده خمسة أيام متواصلة ليل نهار وكان يحتسي فنجانًا من القهوة وفي عينيه صفاء غريب،
أشبه ما يكون بأحلام الشعراء وهو الذي كان ليلة الحركة إعصارًا هائجًا، لا يبقي ولا يذر،
ونتوقف عن هذا الحد من الوصف البديع والدقيق الذي كتبه الأستاذ هيكل عند واحد من فرسان المقدمة في ثورة يوليو،وننتقل إلي كلام يوسف صديق نفسه الموجود في مذكراته، وهو يتحدث عن دوره في ثورة يوليو وفي هذه المذكرات وفي صفحة ٢٧ وعن اللحظات الأولي في الثورة
يقول يوسف صديق: أسرعت بقوة نحو مبني القيادة ففوجئت بنيران توجه إلينا ولما ردت قواتنا علي نيران الحرس بنيران حامية عرف الحرس أنه أمام قوة تفوقه عددًا فبدأ يتراجع وبعد لحظات توقفت نيرانه تمامًا تعرفت أن ذخيرته قد نفدت فأمرت بإيقاف إطلاق النار،ثم أصدرت أمري إلي قوة الحرس أن تلقي أسلحتها علي الأرض ففعلت دون تردد ثم أمرتها بالاتجاه إلي الخلف ففعلت ثم أمرتها بالسير بعيدًا عن السلاح فنفذت الأمر، وتركت حراسة عليها وعلي المدخل ولم يبق أمامي سوي الصعود إلي الطابق العلوي لمهاجمة الاجتماع «أي اجتماع القادة» وهناك المزيد من التفصيلات التي قدمها يوسف صديق ونجدها علي صفحات مجلة روزاليوسف وقد روي هذه التفاصيل أثناء أزمة مارس
ويقول يوسف في هذه التفصيلات:«تحركت علي رأس هذه القوة الصغيرة في منتصف ليل ٢٣ يوليو ٥٢ فقابلت في طريقي من معسكر هايكتسب إلي إدارة الحرس قائد فرقة المشاة العسكرية فاعتقلته وأخذته أسيرًا ثم قابلت القائد الثاني المساعد في الطريق فاعتقلته كذلك وقد صادفت البكباشي جمال عبدالناصر والصاغ عبدالحكيم عامر في مصر الجديدة حيث علمت منهما أن أمر الضباط الأحرار قد انكشف وأن رئيس أركان حرب الجيش يعقد اجتماعًا في رئاسة الجيش ليصدر أوامره لمقاومة الحركة فأسرعت إلي مقر الاجتماع علي الفور وهاجمت القيادة وقبضت علي رئيس الأركان ومعظم القادة الذين كانوا في طريقهم إليه وكذلك قبضت علي القوات التي أرسلت لتعزيز الحراسة علي الرئاسة فقضيت بذلك علي المقاومة وأصبح للضباط الأحرار الأمر في البلاد..وفي فبراير من عام ١٩٥٣
اتصل يوسف صديق من أسوان بجمال عبدالناصر وأخبره بأنه لا يمكنه البقاء في مجلس قيادة الثورة وطلب منه أن يعتبره مستقيلاً فاستدعاه عبدالناصر إلي القاهرة ونصحه بالسفر للعلاج في سويسرا، لثلاثة أشهر يعود بها إلي مصر منضمًا لصفوف الجيش،وفي مارس كان يوسف في سويسرا لكن عودته لم يكن مرغوبًا فيها،
فيعود سرًا إلي بلدته «زاوية المصلوب - مركز الواسطي - محافظة بني سويف» في أغسطس عام ١٩٥٣ وأرسل من هناك برقية إلي اللواء محمد نجيب يبلغه فيها بعودته واستقالته من الجيش ومن مجلس قيادة الثورة فتم تحديد اقامته في بلدته ولما عاد إلي القاهرة تم تحديد إقامته فيها،
ويصف يوسف صديق هذا الأمر بقوله: «ومن طريف ما يمكن أن أذكره أن منزلي بحلمية الزيتون حيث إقامتي محددة كان لا يفصله عن منزل الزميل محمد نجيب إلا شارع واحد هو الممر بين الحر المعتقل والمعتقل الحر».وفي أبريل ١٩٥٤ تم اعتقال يوسف صديق في السجن الحربي،
وتم اعتقال زوجته وأبنائه، وأفرج عنه في مايو ١٩٥٥ وظلت إقامته محددة حتي أكتوبر ١٩٥٦ إلي أن وقع العدوان الثلاثي علي مصر فخرج البطل الجسور يدافع عن تراب مصر وفي صباح ٣١ مارس ١٩٧٥ رحل عن عالمنا.بقي أن نقول إنه من مواليد ٣ يناير ١٩١٠ في إحدي قري صعيد مصر، وتخرج في الكلية الحربية عام ١٩٣٣ وتخصص في التاريخ العسكري وحصل علي شهادة أركان حرب عام ١٩٤٥.